عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
180
اللباب في علوم الكتاب
وأيضا : فإنّ المضطرّ كالملجأ إلى الفعل ، والملجأ لا يوصف بأنّه لا إثم عليه . فالجواب : أنّا قد بينّا عند قوله فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [ البقرة : 158 ] : أنّ نفي الإثم قدر مشترك بين الواجب ، والمندوب ، والمباح ، وأيضا : قوله تبارك وتعالى : « فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » : معناه : رفع الحرج والضّيق . واعلم : أنّ هذا الجائع ، إن حصلت فيه شهوة الميتة ، ولم يحصل له فيه النّفرة الشّديدة ، فإنّه يصير ملجأ إلى تناول ما يسد به الرّمق ، وكما يصير ملجأ إلى الهرب من السّبع ، إذا أمكنه ذلك ، أمّا إذا حصلت النّفرة ، فإنّه بسبب تلك النّفرة ، يخرج عن أن يكون ملجأ ، ولزمه تناول الميتة على ما هو عليه من النّفار . فإن قيل : قوله تبارك وتعالى : « فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » يناسب أن يقال بعده : « إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » فإنّ الغفران ، إنّما يذكر عند حصول الإثم . فالجواب من وجوه « 1 » : أحدها : أن المقتضي للحرمة قائم في الميتة والدّم إلّا أنه زالت الحرمة ؛ لقيام المعارض ، فلمّا كان تناوله تناولا لما حصل فيه المقتضي للحرمة ، عبّر عنه بالمغفرة ، ثم ذكر بعده أنّه رحيم ، يعني : لأجل الرحمة عليكم ، أبحت لكم ذلك . وثانيها : لعل المضطرّ يزيد على تناول قدر الحاجة . وثالثها : أن اللّه تعالى ، لمّا بيّن هذه الأحكام ، عقّبها بقوله تعالى : « غفور » للعصاة ، إذا تابوا ، « رحيم » بالمطيعين المستمرّين على منهج الحكمة . فصل في معنى المضطر قال الشافعيّ - رضي اللّه عنه - : قوله تعالى : « فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ » معناه : أن كل من كان مضطرّا ، ولا يكون موصوفا بصفة البغي ، ولا بصفة العدوان ألبتّة ، فأكل ؛ فلا إثم عليه « 2 » . وقال أبو حنيفة : معناه : « فمن اضطرّ ، فأكل غير باغ ، ولا عاد في الأكل ، فلا إثم عليه » فخصّص صفة البغي والعدوان بالأكل ، ويتفرّع على هذا الخلاف ، هل يترخّص العاصي بسفره ، أم لا ؟ فقال الشافعيّ : لا يترخّص ؛ لأنّه يوصف بالعدوان ؛ فلا يندرج تحت الآية الكريمة « 3 » . وقال أبو حنيفة : يترخّص ؛ لأنّه مضطرّ ، وغير باغ ، ولا عاد في الأكل ، فيندرج تحت الآية « 4 » .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 12 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 20 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 20 . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 20 .